أبي الحسن علي بن فضال المجاشعي
250
النكت في القرآن الكريم في معانى القرآن الكريم واعرابه
منها : أن الكلام خرج مخرج الأمر على جهة التّعظيم لفاعله من نحو : كن فيكون ، من غير معاناة ولا لغوب . ومنها : حسن تقابل المعاني . ومنها : حسن ائتلاف الألفاظ . ومنها : حسن البيان في تقدير الحال . ومنها : الإيجاز من غير إخلال . ومنها : تقبل الفهم على أتمّ الكمال . إلى غير ذلك من المعاني اللطيفة « 1 » ، وقد رأيت في معنى هذه الآية في نصف سفر من أسفار التوراة ، وأنت تراها هاهنا في غاية الإيجاز والاختصار والبيان ؛ ويروى أن كفّار قريش لمّا تعاطوا معارضة القرآن عكفوا على لباب البر ولحوم الضّأن وسلاف الخمر أربعين يوما ؛ ليصفّوا أذهانهم ، وكانوا من فصحاء العرب ، وأخذوا فيما أرادوا ، فلمّا سمعوا هذه الآية قال بعضهم لبعض : هذا كلام لا يشبه كلام المخلوقين وتركوا ما أخذوا فيه وافترقوا « 2 » . قوله تعالى : وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ [ هود : 69 ] . السّلام في الكلام على أربعة أوجه : السّلام التّحية ، والسّلام اسم من أسماء اللّه عزّ وجلّ ، ومنه قوله تعالى : لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ الأنعام : 127 ] « 3 » ، والسّلام جمع سلامة مثل حمام وحمامة ، وقد قيل في قوله تعالى : لَهُمْ دارُ السَّلامِ أي : دار السّلامة ؛ لأن من صار إليها يسلم من آفات الدّنيا وعذاب النّار ، والسّلام ضرب من الشّجر وهو من العضاه ، سمي بذلك ؛ لأنّه لعظمه يسلم من العوارض الدّاخلة عليه . والحنيذ : المشوي ، وهو ( فعيل ) بمعنى ( مفعول ) أي : محنوذ « 4 » ، كما يقال : طبيخ ومطبوخ .
--> ( 1 ) لقد فصّل القول فيها الجرجاني في دلائل الإعجاز : 45 . ( 2 ) مجمع البيان : 5 / 282 . ( 3 ) ينظر الصحاح : 5 / 951 - 952 ( سلم ) . ( 4 ) العين : 3 / 301 ( حنذ ) ، وجامع البيان : 12 / 90 ، وزاد المسير : 4 / 102 .